ليست غزة مجرد مدينة تعيش الحرب، بل هي حكاية شعب يواجه الموت من كل جانب، وأطفال يحاربون الجوع بأجسادهم الصغيرة، وأمهات يخفين دموعهنّ حتى لا يشعر أبناؤهنّ بالخوف، وآباء يقفون عاجزين أمام أعين أطفالهم وهم يبحثون عن لقمة تسدّ رمقهم، فلا يجدون سوى الانتظار والألم.
في غزة، لم يعد الجوع مجرد شعور عابر، بل أصبح معركة يومية من أجل البقاء. هناك عائلات تستيقظ ولا تعرف إن كانت ستجد ما تأكله، وأطفال ينامون ببطون فارغة، ومرضى يحتاجون إلى الغذاء والدواء، لكنهم يواجهون الحرمان في ظروف إنسانية قاسية. صار الحصول على رغيف خبز أمنية، وشربة ماء نظيفة نعمة، ووجبة بسيطة حلمًا قد لا يتحقق.
أيّ قسوة هذه التي تجعل طفلًا يبحث عن الطعام بدل أن يبحث عن لعبته؟ وأيّ ألم أشدّ من أمّ لا تملك ما تقدّمه لطفلها الجائع سوى ضمّه إلى صدرها؟ كيف يمكن للعالم أن يواصل يومه بشكل طبيعي، بينما هناك أناس يكافحون من أجل أبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة، والغذاء، والماء، والكرامة؟
إنّ انتشار المجاعة وسوء التغذية في غزة لا يمسّ الأجساد وحدها، بل يسرق الطفولة، ويستنزف قدرة المرضى على المقاومة، ويضاعف معاناة الأسر التي فقدت منازلها ومصادر رزقها. فالجوع حين يجتمع مع القصف والنزوح والخوف، يتحول إلى مأساة تهدد حياة الإنسان ومستقبل جيل كامل.
إنّ ما يتعرض له أهل غزة ليس مجرد أرقام تُذكر في نشرات الأخبار، ولا صورًا عابرة تمرّ أمام أعيننا؛ إنهم بشر لهم أسماء وأحلام وذكريات، وأطفال يستحقون أن يكبروا في أمان، وأمهات يستحققن أن يطعمن أبناءهنّ دون خوف، وعائلات تستحق أن تعيش بكرامة وسلام.
غزة اليوم لا تحتاج إلى دموعنا وحدها، بل تحتاج إلى موقف إنساني صادق. تحتاج إلى إيصال المساعدات الغذائية والطبية دون عوائق، وإلى حماية المدنيين، وضمان وصول الماء والغذاء والدواء إلى المحتاجين، وإلى تحرك جاد يضع حدًا لمعاناتهم ويصون حقهم في الحياة.
فلا تجعلوا مشاهد الجوع أمرًا مألوفًا، ولا تسمحوا للصور أن تفقد قدرتها على تحريك ضمائركم. تحدّثوا عن معاناة أهل غزة، وانشروا الوعي، وساهموا في المبادرات الإنسانية الموثوقة كلّما استطعتم، وساندوا كل جهد حقيقي يخفف آلام الأبرياء.
غزة تقتل جوعًا… فهل يتحرك ضمير العالم قبل أن يخفت صوت المزيد من الأطفال؟
إنّ الصمت أمام معاناة الجائعين ليس حلًّا، والتعاطف الحقيقي لا يتوقف عند الكلمات. فلنجعل من إنسانيتنا موقفًا، ومن تضامننا فعلًا، ومن أصواتنا رسالة واضحة: لا يجوز أن يُحرم إنسان من الطعام، ولا أن يُترك طفل يواجه الموت جوعًا.
وفق برنامج الأغذية العالمي، بتاريخ 19 أكتوبر 2026، خُفّض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية في غزة من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص بسبب نقص التمويل، مع تقليص الحصص الغذائية والوجبات الساخنة. كما يواجه نحو 1.4 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
غزة تستحق الحياة، وأطفالها يستحقون الخبز والأمان والمستقبل. لا تتركوا الجوع يسرق منهم ما تبقّى من الأمل.